عندما ارتفعت أنغام الموشحات العربية في سماء ييلابوغا، كان المسرح الروسي يشهد لقاءً حضارياً بين الشرق والغرب، جمعته لغة لا تحتاج إلى ترجمة. ففي تلك الأمسية، امتزج عبق التراث العربي بألق الثقافة الروسية، واستطاع موسيقيون وأساتذة من المعهد الوطني العالي للموسيقى ومن الأوركسترا الوطنية للموسيقى الشرق-عربية، أن يقدموا صورة مشرقة عن لبنان الثقافي، مؤكدين أن الفن يبقى أصدق وسائل الحوار بين الشعوب، وأن الموسيقى قادرة على بناء الجسور حيث تعجز الكلمات.
ولم يكن من السهل أن يستقطب برنامجٌ موسيقي ينتمي إلى ثقافة مختلفة اهتمام آلاف المستمعين، وأن يتفاعلوا معه كما لو أنه جزء من ذاكرتهم. لكن هذا ما حدث في مدينة ييلابوغا بجمهورية تتارستان الروسية، حيث تحولت الموشحات العربية والأغنيات التراثية اللبنانية إلى لغة إنسانية جامعة، تجاوزت اختلاف اللغات والثقافات، في مشهد جسّد القوة الناعمة للموسيقى، ورسّخ مكانتها كأرقى أشكال التواصل بين الحضارات.
فبدعوة رسمية من القيّمين على الدورة السابعة من مهرجان Boris Berezovsky Summer Evenings الدولي في ييلابوغا، شارك موسيقيون من الأوركسترا الوطنية للموسيقى الشرق-عربية وأساتذة من الكونسرفتوار في إحدى أبرز محطات المهرجان، مقدمين أمسية استثنائية حملت روح الشرق إلى الجمهور الروسي. وكانت المشاركة عبر "التخت الشرقي" الذي تم اختياره وجمعه من رئاسة المعهد، لتكون انطلاقتهم من مهرجان تتارستان ويؤدوا دورهم في لبنان والخارج في الموشح وأنماط أخرى من الموسيقى التقليدية وفي عبور إلى الموسيقى المعاصرة.
شهد المهرجان حضوراً جماهيرياً كبيراً تراوح بين أربعة آلاف وسبعة آلاف شخص خلال اليومين الأول والثاني، وهو ما يعكس المكانة التي يحتلها هذا الحدث الثقافي في روسيا، كما يبرز الأثر الذي تركته المشاركة اللبنانية، حيث قوبلت الأعمال العربية بتصفيق حار وتفاعل عفوي من جمهور وجد في هذه الموسيقى نافذة مشرعة على حضارة عريقة تمتد جذورها آلاف السنين.
وجاءت هذه المشاركة بدعوة من المدير الفني للمهرجان، عازف البيانو العالمي بوريس بيريزوفسكي، أحد أبرز الأسماء في عالم الموسيقى الكلاسيكية، والذي تربطه بالمعهد الوطني العالي للموسيقى علاقة فنية وثقافية وثيقة. وكان الكونسرفتوار قد استضافه في بيروت مؤخراً في حفل تاريخي أحياه برفقة ابنته، عازفة البيانو العالمية إيفلين بيريزوفسكي، في أمسية شكلت محطة بارزة في الحياة الموسيقية اللبنانية، وأسهمت في توطيد التعاون الثقافي بين الجانبين.
أما المهرجان، الذي أسسه أيغور ليرمان، ويتولى إدارته غولزادا رودينكو، والذي يحمل اسم العازف العالمي بوريس بيريزوفسكي، فقد بات منصة دولية مرموقة تجمع نخبة من الموسيقيين من مختلف أنحاء العالم. وشاركت في دورته الحالية وفود فنية من روسيا، وفرنسا، وكوريا، وبيلاروسيا، ولبنان، إلى جانب موسيقيين من مدن روسية عدة، أبرزها موسكو، وكازان، ويوفا، وييلابوغا، ويكاترينبورغ، ونابريجنيي تشيلني، في صورة تعكس الانفتاح الثقافي الذي يميز هذا الحدث منذ انطلاقته.
ولم تكن المشاركة اللبنانية مجرد حضور في مهرجان دولي، بل جاءت لتؤكد المكانة التي بات يحتلها المعهد الوطني العالي للموسيقى في المحافل العالمية، ولا سيما من خلال التخت الشرقي، الذي قدم برنامجاً فنياً جمع بين أصالة التراث العربي والاحترافية الأكاديمية، فاستقبله الجمهور الروسي بحفاوة بالغة وتفاعل لافت، في تأكيد جديد على أن الإبداع الحقيقي يتجاوز الحدود واللغات. ولم يقتصر سحر المهرجان على ما دار فوق خشبة المسرح فحسب، بل امتد ليتجلى في أبهى صوره خلف الكواليس، حيث ذابت المسافات في حوارٍ إنساني وموسيقيٍّ عفويٍّ جمع مبدعي الكونسرفتوار الوطني بنظرائهم من الموسيقيين الغربيين بين الآلات الأم والآلات الأخرى. وفي تلك اللحظات الاستثنائية، تحولت الكواليس إلى مختبرٍ إبداعيٍّ حيّ، تعانقت فيه أنفاس "الناي" الشرقيّ مع رقة "الفلوت" وهيبة "الأوبوا"، وتشابكت أوتار "العود" العتيقة مع نغمات "الغيتار" العالمية. فكانت تجربة حوارية حضارية فريدة حين تبادل الفنانون آلاتهم، ليتوحدوا في لغةٍ كونية تتجاوز الحدود، مُضيفين على المهرجان بُعداً إنسانياً عميقاً، يؤكد أن الموسيقى هي الجسر الأسمى الذي يربط بين الثقافات، ويجعل من حوار الآلات حواراً للحضارات.
وتضمن البرنامج باقة من الأعمال التي تختزن ثراء الموسيقى العربية، فافتتحت الأمسية بموشح "صاح هذا الروض"، تلاه موشح "صحت وجداً"، ثم موشح "يا من لعبت به شمول"، قبل أن تنتقل الأوركسترا إلى الأغنية التراثية اللبنانية "بنت الشلبية"، ومنها إلى معزوفة "سلطانة" للمؤلف والعازف علي الخطيب، وصولاً إلى مقطوعة "يدك" للمؤلفة اللبنانية الدكتورة هبة القواس، التي قدمت نموذجاً موسيقياً معاصراً يزاوج بين الهوية الشرقية والرؤية التأليفية الحديثة. هذه التوليفة الموسيقية قدّمها عزفاً: قائد الفريق علي الخطيب (رقّ)، صدام حمية (كمان)، حسين خليل (عود)، مازن صالحة (عود)، جوزيف كرم (ناي)، ماغي مخول (قانون)، وليد ناصر (طبلة)، أسامة الخطيب (كونتر باص).
وعكس هذا البرنامج ثراء المدرسة الموسيقية العربية وتنوعها، متنقلاً بالجمهور بين جماليات الموشحات الأندلسية، ودفء الفولكلور اللبناني، وآفاق التأليف الموسيقي المعاصر، في رحلة فنية اتسمت بالعمق والرهافة، وأكدت حيوية الموسيقى العربية وقدرتها على مخاطبة وجدان الإنسان أينما كان.
ولعل أكثر ما ميّز هذه المشاركة كان الأداء المتميز للموسيقيين، الذين قدموا مستوى فنياً رفيعاً يعكس سنوات من الدراسة الجادة والتدريب والانضباط، ويؤكد نجاح المعهد الوطني العالي للموسيقى في إعداد موسيقيين قادرين على تمثيل لبنان بأفضل صورة في المحافل الدولية، كسفراء لثقافة عريقة، حملوا معهم هوية وطنهم، وقدموا نموذجاً راقياً عن الإبداع اللبناني.
وتكتسب هذه المشاركة أهمية إضافية لأنها تأتي استكمالاً لمسار متنامٍ من التعاون الثقافي بين الكونسرفتوار وروسيا، وليست الأولى من نوعها. ففي العام الماضي، شارك المعهد الوطني العالي للموسيقى عبر الأوركسترا اللبنانية للشباب (NYO) في مهرجان أوركسترات الشباب من العالم، في تجربة تركت صدى إيجابياً وأسهمت في ترسيخ حضور الموسيقيين اللبنانيين على الساحة الدولية. واليوم، يواصل الكونسرفتوار هذا النهج، مؤكداً أن الحضور اللبناني في روسيا بات جزءاً من مشروع ثقافي مستدام يقوم على الحوار والتبادل والانفتاح.
إن أهمية هذه المشاركة لا تُقاس بحجم الحضور الجماهيري أو بطول التصفيق الذي رافق العروض فحسب، بل بما تحمله من دلالات ثقافية وإنسانية عميقة. فهي تؤكد أن الموسيقى قادرة على مدّ جسور التواصل بين الحضارات، وأن الثقافة تظل الوسيلة الأرقى لتعزيز العلاقات بين الشعوب، وترسيخ قيم التفاهم والانفتاح.
وهكذا، كان حضور لبنان في ييلابوغا ترسيخاً لثقافةٍ وهويةٍ ورسالة. ومن قلب تتارستان، حمل الموسيقيون اللبنانيون تراثهم إلى جمهور جديد، مؤكدين مرة أخرى أن الموسيقى هي رسالة سلام، وجسرٌ يمتد بين الأمم، وحوارٌ لا ينتهي بين القلوب.