ماريا ضو
تكرّر مشهد النزوح مجددًا مع عودة الحرب الإسرائيلية على لبنان بداية شهر آذار، في واقع إنساني حزين يختصر وجع آلاف العائلات. وعلى وقع التطورات الميدانية، بدأت المساعدات الدولية تتدفّق إلى لبنان، وإنْ بوتيرةٍ أخفّ، في محاولة لتلبية الاحتياجات الإنسانية العاجلة في هذه المرحلة الصعبة. إلا أن التحدي الحقيقي لا يكمن في تأمين المساعدات، بل في إدارتها بشفافية تامة، ما يضع الدولة اللبنانية أمام مسؤولية كبيرة في هذا الإطار، خصوصاً أن إدارة الهبات والمساعدات في الحرب السابقة لم تخلُ من بعض التحديات.
وقد وثقت مبادرة غربال في خلاصة
تقرير لها بعنوان "العدوان الاسرائيلي 2024: توزيع المساعدات الإنسانية تحت المجهر"، جملة من التحديات الجوهرية، مشيرة الى أن مستوى التنسيق بين الجهات تباين بشكل ملحوظ، إذ أظهرت لجنة الطوارىء الحكومية درجة عالية من الاتساق الداخلي، في حين برزت لدى الهيئة العليا للإغاثة فجوات كبيرة بين بيانات الاستلام والتوزيع. وبحسب غربال، شكّل غياب نماذج موحّدة لإدخال البيانات وآليات متسقة للتتبّع الزمني، ونظم تصنيف موحّدة، عائقا جوهريا أمام تعميق التحليل المقارن بين الجهات المعنيّة. اذ تنوعت وحدات القياس بين قطع، كيلوغرامات، صناديق، طرود وحزم، من دون وجود معيار موحد، ما صعّب تحليل المخزون ومتابعته بدقّة.
من هنا، فإن أي نجاح لعملية إدارة المساعدات يعتمد على استجابة موحّدة من الدولة وفق آلية واضحة تُنسّق فيها الجهود، مع ضبط أي منافسة سلبية وتباين في الأدوار بين الجهات المعنية.
وبالعودة الى الحرب الحالية، وضمن جهود تعزيز الشفافية، أطلقت وحدة إدارة مخاطر الكوارث (DRM)، في 26 آذار، منصة لعرض المساعدات الإنسانية الموزّعة، إلى جانب نشرها تقارير يومية حول الوضع الراهن، تتضمّن عدد مراكز الإيواء المفتوحة، وإجمالي عدد النازحين فيها، فضلاً عن معلومات عن المساعدات الموزعة من طعام ومياه وإصحاح، والمواد الإغاثية الأساسية مثل البطانيات والفرشات.
فإلى أي مدى ستسهم المنصة الجديدة في تعزيز الشفافية، وما هي الخطوات الإضافية التي تعمل عليها وحدة إدارة مخاطر الكوارث لإدارة المساعدات، والمعايير الدولية الواجب توفرها؟ وهل يمكن الحديث اليوم عن منصة وطنية "موحّدة" لإدارة المساعدات؟
منصتان للمساعدات… ووعود بالشفافية الكاملة
تُبرز
المنصة التي أطلقتها وحدة إدارة مخاطر الكوارث في رئاسة مجلس الوزراء المساعدات التي تمّ توزيعها من قبل ثلاثة فاعلين رئيسيين: الحكومة من خلال اللجنة العليا للإغاثة ومجلس الجنوب، وكالات الأمم المتحدة وشركاؤها ضمن خطة الاستجابة في لبنان LRP، بالإضافة إلى المنظمات المحلية والمبادرات الفردية. وتقسم هذه المساعدات إلى ثلاثة قطاعات رئيسية: الغذاء، قطاع المياه والصرف الصحي والنظافة (WASH)، ومستلزمات الإيواء.
وبموازاة هذه المنصة، ستُطلق وحدة إدارة مخاطر الكوارث منصة أخرى مخصّصة للمساعدات التي تتسلّمها الدولة عبر الهيئة العليا للإغاثة، حيث سيتم الإعلان عن المساعدات المقدّمة من الجهات المانحة وآلية توزيعها.
في هذا الإطار، أكد رئيس "وحدة إدارة مخاطر الكوارث" زاهي شاهين في حديث للـLBCI، أن القرار كان واضحًا منذ اليوم الأول بضرورة الإعلان عن الأمور بشفافية مطلقة، وإتاحة كل المعلومات أمام الجمهور، وأن الجميع يعمل تحت مظلّة مجلس الوزراء ورئيس الحكومة نواف سلام يتابع كل الأمور ساعة بساعة، مشددا على أن استجابة الدولة ستكون موحدة.
وفي ما يتصل بجهود وحدة إدارة مخاطر الكوارث لإدارة المساعدات "بشفافية"، أوضح شاهين أنه جرى إطلاق أول Dashboard ويقوم أساسه على الشفافية في الإعلان عن المساعدات التي تمّ توزيعها من قبل الجهات كافة التي تعمل على الأرض.
وفي حين بدأت الهيئة العليا للإغاثة بتسلّم بعض المساعدات من جهات خارجية عبر مطار رفيق الحريري الدولي - بيروت، لفت شاهين إلى أنه سيتم نشر تفاصيل هذه المساعدات على لوحة بيانات (Dashboard) ثانية، حيث ستُعرض المساعدات التي وصلت، وتلك التي جرى تسليمها، وما تبقّى منها.
وأكد أن الـDashboard الأول والثاني سيضمنان شفافية كاملة فيما يتعلّق بإدارة المساعدات من مرحلة الاستلام وحتى التوزيع، لافتا الى أن إدخال المعلومات (Data) بشكل منهجي ودقيق يحتاج إلى بعض الوقت.
ووفق شاهين، فإن تتبّع المساعدات يتمّ عبر المحافظات وصولاً إلى مراكز الإيواء أو البلديات، كما أن جزءًا من المساعدات يصل إلى جمعيات، كما في شحنة المساعدات الفرنسية التي حدّد الجانب الفرنسي الجمعيات التي تتلقى تلك المساعدات.
وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن المساعدات الواردة عبر المطار، والتي تتسلّمها المنظمات الدولية، لا تدخل ضمن نطاق عمل وحدة إدارة مخاطر الكوارث، سواءً من حيث إدارتها أو توزيعها. ويقتصر دور الوحدة على الإعلان عن المساعدات التي قامت هذه المنظمات بتوزيعها، وذلك عبر الـ Dashboard الأول الذي تمّ اطلاقه.
وفيما تصل بعض المساعدات مباشرة إلى وزارة الصحة العامة، أوضح شاهين أن الوزارة ستعلن عن المساعدات التي تتلقّها "كقطاع" على موقعها الإلكتروني، فيما سيتولّى الـDashboard الثاني الذي سيتم إطلاقه الإعلان عن المساعدات التي تتلقّاها الدولة عبر الهيئة العليا للإغاثة.
وعن عدم اعتماد منصة موحّدة، قال شاهين: "ستُجمع المعلومات والبيانات كافة في غرفة عمليات وحدة إدارة مخاطر الكوارث، ولكن لأسباب تقنية قررنا عدم اعتماد منصة واحدة، حتى لا يكون الـ Dashboard معقدا أمام الرأي العام، كما سيكون من الصعب استخدام المنصة بفاعلية نظرًا للحجم الكبير جدًا للبيانات التي سيتم إدخالها"، مؤكدا أنه ستكون هناك متابعة لتوزيع المساعدات، بما يضمن عدم حصول أي خلل قد يؤدي إلى فساد.
تجربة سابقة في إدارة المساعدات الإنسانية
يُشكّل إطلاق منصة رقمية لإدارة المساعدات خلال فترة الحرب، ثاني مبادرة من نوعها في لبنان. ففي خطوة "غير مسبوقة" عام 2024 على مستوى توثيق المساعدات الإنسانية، أطلقت لجنة الطوارىء الحكومية برئاسة الوزير السابق ناصر ياسين منصة مخصّصة لعرض وتتبع المساعدات الواردة، بما شكّل محطة لافتة على طريق تعزيز الشفافية في لبنان.
وفي هذا السياق، استعرض رئيس لجنة الطوارىء الحكومية آنذاك الوزير السابق ناصر ياسين تجربة إدارة المساعدات خلال الحرب السابقة.
وقال في حديث للـLBCI: "خلال تنسيق الاستجابة لحرب الـ66 يومًا في خريف العام 2024، انشأت لجنة الطوارئ الحكومية
منصة مركزية لنشر بيانات ومعلومات حول المساعدات العينية عبر وحدة إدارة مخاطر الكوارث (DRM) في رئاسة مجلس الوزراء والتي شكلت خطوة نوعية وجديدة في مسار تعزيز الشفافية في إدارة المساعدات".
وأشار الى أن هذه المنصة أتاحت توثيق ونشر كل المساعدات التي تلقتها لجنة الطوارئ الحكومية بشكل تفصيلي، إذ شملت البيانات المنشورة الجهة المانحة، نوع المساعدة، الكميات، ومسار توزيعها وصولًا إلى الجهات المستفيدة الرسمية في المحافظات. كما جرى نشر محاضر الاستلام الموقّعة، إلى جانب تقارير يومية ترصد توزيع المساعدات عبر غرف عمليات الطوارئ في المحافظات.
عمليًا بحسب ياسين، ساهمت هذه الآلية في تعزيز ثقة المانحين والرأي العام، من خلال إتاحة المعلومات بشكل شبه فوري وقابل للتدقيق، وشكّلت سابقة في العمل الحكومي اللبناني من حيث مستوى الشفافية الاستباقية.
إلا أن العمل لم يتوقف عند حدود الاستجابة، حيث لفت الوزير السابق ناصر ياسين أنه "جرى الانتقال إلى مرحلة استخلاص الدروس بشكل منهجي لتفادي التحديات في المستقبل، إذ جرى تنظيم لقاء وطني تشاوري، بعد انتهاء الحرب، جمع منسقي الاستجابة الإنسانية، وممثلي المحافظات، والوزارات المعنية، إلى جانب وكالات الأمم المتحدة والمؤسسات الإنسانية، بهدف تقييم الأداء في الوقت الفعلي وصياغة توصيات عملية قابلة للتنفيذ".
وقد أسفر هذا المسار، بحسب ياسين، عن إطلاق خارطة طريق بعنوان: "الاستجابة لتداعيات العدوان الإسرائيلي على لبنان: الدروس المستفادة واستخلاص العبر"، مع تأمين التمويل اللازم لتنفيذ ورش العمل المرتبطة بها، باعتبارها أولوية وطنية ملحّة لتعزيز الجهوزية المستقبلية.
وذكر ياسين أن "هذا الجهد استُكمل في مرحلة لاحقة، مع الحكومة الجديدة من خلال وزارة الشؤون الاجتماعية، التي نظّمت ورش عمل على مستوى المحافظات، تُوِّجت بإصدار
تقارير تحليلية على المستويين الوطني والمحلي، وهي متاحة على الموقع الإلكتروني الرسمي للوزارة، بما يعكس التزامًا باستدامة الشفافية وتحويل هذه التجربة إلى معرفة مؤسسية قابلة للبناء عليها".
توصيات لتعزيز ورفع مستوى الشفافية
وفي ضوء التجربة السابقة والجهود الراهنة، تبرز أهمية تسليط الضوء على المعايير الدولية للشفافية في إدارة المساعدات، وطرح بعض الملاحظات التي من شأنها تعزيز التزام لبنان بهذه المعايير.
وفي هذا الإطار، شدد المدير التنفيذي لجمعية الشفافية الدولية لبنان – لا فساد جوليان كورسون، على أهمية أن تكون المنصة مركزية وموحّدة، إذ إن توحيد المعلومات في مكان واحد يُعدّ شرطًا أساسيًا لضمان الشفافية.
ولفت كورسون أن الدولة اللبنانية أطلقت، للمرة الأولى عام 2024، لوحة معلومات (Dashboard) عقب حالة طوارئ. واذ وصف هذه الخطوة بـ"اللافتة" والإيجابية، أشار إلى أنها كانت بحاجة إلى خطوات تقنية إضافية لتعزيز الشفافية.
وبالنظر إلى ذلك، كانت جمعية "الشفافية الدولية – لبنان (لا فساد)" قد دعت الحكومة الحالية، في
بيان سابق، إلى إعطاء الأولوية لإعادة إطلاق المنصة الرقمية التي أُطلقت عام 2024، بما يتماشى مع مبادرة الشفافية الدولية للمساعدات (IATI) والتوصيات الصادرة عنها.
وقد رحّبت الجمعية لاحقًا بإطلاق منصة متابعة المساعدات الوطنية من قبل الحكومة الحالية، معتبرةً إياها خطوة إيجابية نحو تعزيز الشفافية والتنسيق وإتاحة الوصول العام إلى المعلومات المتعلقة بتوزيع المساعدات.
إلا أنها، في المقابل، سلّطت الضوء على
مجالات ذات أولوية لتعزيز فعالية المنصة ومواءمتها مع المعايير الدولية، ومنها:
- ضمان الإفصاح الكامل عن وصول المساعدات
- تحسين تفصيل البيانات وتتبع التوزيع
- إدراج كل المؤسسات المعنية مثل وزارة الصحة
- اعتماد تتبع زمني لوصول المساعدات، وغيرها من النقاط ذات الصلة.
واستنادا إلى مبادرة الشفافية الدولية للمساعدات، عدّدَ كورسون توصيات يجب البناء عليها لرفع مستوى الشفافية في إدارة المساعدات، مشدّدا على ضرورة إنشاء قاعدة بيانات شاملة ومفصّلة، توحيد وحدة القياس، تحديث البيانات بشكل دوري، فضلاً عن ضمان إمكانية تتبّع المساعدات من مرحلة الاستلام إلى التوزيع.
وانطلاقًا من هذه الأسس، شدّد على أهمية وجود منصة وطنية مركزية وموحّدة تُنشر فيها كل المساعدات التي تتلقاها مختلف الجهات في الدولة اللبنانية.
ومن أبرز العوامل التي تضمن الشفافية، هي القدرة على تتبّع المساعدات منذ لحظة استلامها وحتى توزيعها على المستفيدين. وفي هذا السياق، أشار كورسون إلى أن توحيد وحدة القياس يُعدّ من المعايير الأساسية في مبادرة الشفافية الدولية للمساعدات، موضحًا أن الإعلان عن المساعدات بوحدة "الطن" (كطن من الوسائد)، بدل تحويلها إلى أعداد (مثل 10,000 وسادة)، يضعف إمكانية تتبّع المساعدات بشكل دقيق.
وبحسب كورسون، فإن تجزئة المعلومات بشكل منهجي تُعدّ من أبرز العوامل التي تعزّز الشفافية. كما أنه لا يكفي على سبيل المثال، الإعلان عن استلام وزارة الصحة معدات طبية، بل ينبغي تفصيل المعلومات لتوضيح محتويات هذه المعدات وكمياتها.
أما توقيت نشر البيانات، فلا يقلّ أهميةً عمّا سبق ذكره، إذ أكد كورسون أن توقيت نشرها يُعدّ عنصرًا أساسيًا في قانون حق الوصول إلى المعلومات، وأن نشرها بعد فترة من تلقّي المساعدات وتوزيعها ينعكس سلبًا على مستوى الشفافية.
كما تطرق كورسون إلى نشر المعلومات، حيث انتقد طريقة نشر البيانات على موقع الهيئة العليا للإغاثة عام 2024، قائلاً: "تمّ نشرها بصيغة JPEG، ما اضطرّنا إلى استخراج المعلومات من الصور وإعادة كتابتها لنتمكّن من تتبّع المساعدات"، فيما اعتمدت وزارة الصحة صيغة الـ PDF في نشر البيانات.
كما شدد كورسون على ضرورة الإعلان عن المساعدات المتبقية بعد انتهاء فترة الحرب. وقال: "كانت لدينا العديد من المعطيات التي تشير إلى أن بعض المساعدات تمّ بيعها في السوق خلال فترة الحرب الماضية، وليس بعد إعلان وقف إطلاق النار".
في المحصلة، تمثل الخطوات التي اتُخذت خلال عام 2024، وفي ظل الحرب الحالية، تقدماً ملموساً نحو اعتماد لبنان مسار الشفافية، وتواصل وحدة إدارة مخاطر الكوارث اليوم بذل جهودها وتعزيز التنسيق بين كل الجهات المعنية، واضعة هدف الوصول إلى الشفافية الكاملة.
"يُنشر هذا التقرير في إطار زمالة صحافية تنظمها مؤسسة مهارات حول التغطية الإعلامية لمسار الإصلاحات".
التالي
تجدد الغارات صباحا على قرى النبطية...
هدوء حذر يخيم على الضاحية...
السابق