افتتح البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، رئيس مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان، المؤتمر السنوي الثاني والثلاثين للمدارس الكاثوليكية في لبنان، في مدرسة سيدة اللويزة – زوق مصبح، تحت عنوان: «مهنة التعليم في عصر الذكاءات الجديدة: رسالة تتجدد»، في حضور عدد من البطاركة والمسؤولين والنواب والشخصيات التربوية والإعلامية ورؤساء الجامعات ومديري المدارس والمعلمين والأهل.
واستهل المؤتمر بالنشيد الوطني اللبناني ونشيد المدارس الكاثوليكية، ثم ألقت الإعلامية سمر بو خليل كلمة أكدت فيها أن العالم يقف أمام مرحلة مفصلية مع دخول عصر الذكاء الاصطناعي، مشددة على أن التعليم لا يقتصر على نقل المعلومات، بل يقوم على بناء الشخصية وتكوين الضمير واكتشاف المعنى.
وحذرت بو خليل من مخاطر استخدام الذكاء الاصطناعي في التنافس العسكري والاقتصادي والتضليل، معتبرة أن مسؤولية تنظيمه لا تقع على الشركات وحدها، بل تتطلب شراكة مجتمعية. وأكدت أن مستقبل التعليم لا يتحدد بعدد الأجهزة والتطبيقات، بل بوضع الإنسان في قلب التكنولوجيا والضمير في قلب المعرفة، لأن الآلة لا تستطيع أن تحل مكان المعلم الذي يمنح الطالب الثقة ويقول له: "أنت تستطيع".
نصر: المدرسة تبني الإنسان
من جهته، أكد رئيس الأمانة العامة للمدارس الكاثوليكية الأب يوسف نصر أن التربية تقع في صميم رسالة الكنيسة، مشددًا على أن المدرسة الكاثوليكية تؤدي دورًا أساسيًا في خدمة الإنسان وبناء الوطن.
وأشار إلى أن الذكاء الاصطناعي يفرض أسئلة جديدة تتعلق بجوهر الإنسان ومعنى المعرفة ودور المدرسة ورسالة المعلم، بعدما أصبحت الآلة قادرة على الكتابة والترجمة والتحليل والبرمجة والرسم والإجابة عن أسئلة معقدة خلال ثوانٍ.
وشدد نصر على أن مهمة المدرسة الأساسية هي «بناء الإنسان»، من خلال تعليم التلميذ التفكير والسؤال والتمييز والاختيار وتحمل مسؤولية قراراته، معتبرًا أن المعلم يبقى الركن الأساسي في تعزيز التفكير النقدي والتربية على القيم.
ورأى أن التحدي الحقيقي يتمثل في «تجدد المعلم» ليكون مبدعًا وصانعًا للمعرفة وصاحب رسالة، متسائلًا عن واقع المعلم وأمنه المهني وفرص تطوره.
ودعا إلى تطوير البيئة التشريعية للقطاع التربوي، وتعزيز الشراكة بين وزارة التربية والمركز التربوي ونقابة المعلمين ولجان الأهل، وصولًا إلى ميثاق تربوي جديد يجعل التربية قضية وطنية بعيدة عن التجاذبات.
كرامي: المعلم حجر الزاوية في رؤية 2040
بدورها، أكدت وزيرة التربية والتعليم العالي الدكتورة ريما كرامي أن القطاع التربوي في لبنان يواجه أزمات متراكمة، من الانهيار الاقتصادي والنزوح والحروب والاعتداءات إلى تراجع قدرة المعلمين والأهل والمؤسسات على الاستمرار، مشددة على أن "مقاربات الطوارئ" لا يمكن أن تتحول إلى أسلوب دائم لإدارة التعليم.
وأعلنت أن "رؤية وزارة التربية والتعليم العالي للـ2040" تشكل الإطار الوطني لبناء نظام تربوي أكثر قدرة على الصمود والتجدد، وأكثر عدالة وجودة واستجابة لحاجات المتعلمين والمجتمع.
وأكدت أن المعلم هو «حجر الزاوية» في هذه الرؤية، مشددة على أن الخطط والسياسات لا تكفي من دون معلم مهني يمتلك المبادرة والقرار المهني ويكون قائدًا للتغيير داخل صفه ومدرسته ومجتمعه.
وفي ملف التحول الرقمي، شددت كرامي على أن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ليسا غاية بحد ذاتهما، بل وسيلة لتحسين التعلم وتوسيع فرص الوصول إلى المعرفة ودعم المعلم، مؤكدة أن "المعلمين هم من يقودون والتكنولوجيا أداة بين أيديهم".
وحذرت من التعامل مع الذكاء الاصطناعي "بخوف ولا بانبهار أعمى"، داعية إلى الاستفادة من إمكاناته مع حماية بيانات المتعلمين وخصوصيتهم وضمان تكافؤ الفرص وتعزيز قدرات المعلمين على استخدامه بطريقة تربوية وأخلاقية ومسؤولة.
وتطرقت إلى أوضاع المعلمين، معتبرة أن الحديث عن مستقبل التعليم لا يمكن أن يستقيم فيما يعيش المعلمون قلقًا يوميًا على رواتبهم وأمنهم الاجتماعي وقدرتهم على الاستمرار، مؤكدة التزامها بالدفاع عن حقوقهم داخل مجلس الوزراء.
وفي ما يتعلق بالمناهج المطورة، أوضحت أن تنفيذها يمثل "الاختبار الحقيقي لرؤية 2040"، مشيرة إلى أنها لا تقتصر على تحديث الكتب، بل تقوم على تغيير فلسفة التعليم والانتقال من حفظ المعلومات إلى فهمها وتوظيفها وتحليلها واستخدامها في حل المشكلات واتخاذ القرار.
وشددت على أن التعليم الخاص شريك أساسي في المنظومة التربوية الوطنية، مع التأكيد في الوقت نفسه على أن تعزيز التعليم الخاص لا يعني تراجع الدولة عن مسؤوليتها في حماية المدرسة الرسمية وتعزيزها.
الراعي: لا نريد مدرسة ضد التكنولوجيا ولا خاضعة لها
من جهته، أكد البطريرك الراعي أن الذكاء الاصطناعي أدخل العالم في "زمن جديد" تتسارع فيه المعرفة بصورة غير مسبوقة، مشددًا على أن السؤال لم يعد فقط كيفية استخدام هذه التكنولوجيا، بل كيفية وضعها في خدمة الإنسان "من دون أن يصبح الإنسان في خدمتها".
واعتبر أن الذكاء الاصطناعي لا يلغي مهنة التعليم، بل يدعو إلى «إعادة اختراعها»، موضحًا أن دور المعلم لم يعد أن يكون المصدر الأساسي للمعلومة، بل تحويل المعلومة إلى معرفة، والمعرفة إلى فهم، والفهم إلى قدرة على التمييز والاختيار والإبداع.
وقال إن الذكاء الاصطناعي "لا يضع نهاية لمهنة المعلم، بل يضع نهاية لصورة قديمة عن مهنة المعلم"، مؤكدًا أن المعلم الذي يبني العقل وينمي الشخصية ويوقظ الفضول ويربي على التمييز والمسؤولية ستصبح التكنولوجيا أداة إضافية بين يديه.
وشدد الراعي على أن الكنيسة لا تخاف الذكاء الاصطناعي، محذرًا في الوقت نفسه من أن "نتقدم تقنيًا ونتراجع إنسانيًا"، وألا تصبح المدارس "أكثر ذكاء وأقل حكمة، وأكثر اتصالًا وأقل تواصلًا، وأكثر سرعة وأقل عمقًا".
وختم بالدعوة إلى مدرسة "لا ضد التكنولوجيا ولا خاضعة لها"، بل تقودها تربويًا وأخلاقيًا وإنسانيًا، وتبقى أمينة لرسالتها في تكوين الإنسان، مؤكدًا أن التطور يجب أن يكون فرصة ليعود المعلم إلى جوهر رسالته كصانع إنسان وباني عقل ومرافق جيل وحامل رسالة.
وتخلل المؤتمر، قبل انطلاق الجلسة الافتتاحية، محطة فنية قدمها الفنان جورج خباز تحدث خلالها عن تجربته مع المدرسة الكاثوليكية ودورها في اكتشاف موهبته وتحديد مساره. كما قدم الفنانان ليال نعمة ونادر خوري وصلة من الترانيم، تلاها عرض لرقصة تعبيرية قدمها طلاب مدرسة فال بيرجاك، إضافة إلى عرض فيديو تناول دور المعلم وأهميته في حياة الطلاب ومسيرتهم.