في كل عام، يتأثر ملايين الأشخاص حول العالم بحالات طوارئ، من نزاعات مسلحة إلى كوارث طبيعية، تترك آثاراً عميقة لا تقتصر على الدمار المادي، بل تمتد إلى الصحة النفسية للأفراد والمجتمعات.
ووفق المعطيات الدولية، يكاد جميع الأشخاص المتأثرين بحالات الطوارئ يعانون من ضيق نفسي بدرجات متفاوتة، يتمثل في القلق، الحزن، اليأس، اضطرابات النوم، التعب، سرعة الانفعال، الغضب أو حتى آلام جسدية. وفي معظم الحالات، يتحسن هذا الضيق مع مرور الوقت، وفق ما نقل موقع
منظمة الصحة العالمية.
غير أن الإحصاءات تشير إلى أن واحداً من كل خمسة أشخاص (22%) ممن عايشوا حرباً أو نزاعاً خلال السنوات العشر الماضية، يعانون من اضطرابات نفسية مثل الاكتئاب، القلق، اضطراب ما بعد الصدمة، الاضطراب ثنائي القطب أو الفصام.
وتظهر التقديرات أن نحو 13% من السكان المتأثرين بالنزاعات يعانون من أشكال خفيفة من الاكتئاب أو القلق أو اضطراب ما بعد الصدمة، فيما يعاني 9% من اضطرابات نفسية متوسطة أو شديدة.
وفي البيئات المتأثرة بالنزاعات، يزداد معدل الاكتئاب مع التقدم في العمر، كما يكون أكثر شيوعاً لدى النساء. ويُعدّ الأشخاص الذين يعانون من حالات نفسية شديدة الفئة الأكثر هشاشة أثناء الطوارئ وبعدها، إذ يحتاجون إلى تأمين احتياجاتهم الأساسية إضافة إلى الرعاية السريرية المتخصصة.
تأثير الطوارئ على الخدمات النفسية
لا تقتصر الأزمات على زيادة الاحتياجات النفسية، بل تؤدي أيضاً إلى اضطراب كبير في خدمات الصحة النفسية نفسها. فقد تتعرض المرافق الصحية للتدمير، ويحدث نقص في الكوادر، وتنقطع سلاسل توريد الأدوية، فيما يتجاوز الطلب القدرة الاستيعابية للبنية التحتية المتاحة.
كما أن محدودية الوصول إلى خدمات نفسية عالية الجودة وبكلفة ميسورة كانت مشكلة قائمة حتى قبل الطوارئ، وتزداد حدة خلال الأزمات. وقد يؤدي ضعف التنسيق أو نقص التدريب لدى العاملين في الطوارئ إلى تفاقم الوضع.
أبعاد اجتماعية ونفسية متداخلة
تتفاقم خلال الطوارئ مشكلات اجتماعية قائمة مثل الفقر والتمييز ضد الفئات المهمشة، كما تنشأ مشكلات جديدة تشمل تفكك الأسر، فقدان مصادر الرزق، انعدام الأمان، ضعف الثقة، وتراجع الموارد.
وعلى المستوى النفسي، قد تظهر حالات حزن حاد، ردود فعل ضغط شديدة، زيادة في تعاطي المواد الضارة، اكتئاب، قلق، واضطراب ما بعد الصدمة. كما قد ينشأ قلق إضافي نتيجة نقص المعلومات حول كيفية الحصول على الغذاء أو الوصول إلى الخدمات الأساسية.
توصيات للاستجابة الفعالة
توصي الإرشادات الدولية بدمج الصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي في جميع خطط الاستعداد للطوارئ، بما يشمل تقييم المخاطر وبناء القدرات وآليات التنسيق وخطط الطوارئ.
ومن بين الإجراءات الموصى بها:
- إنشاء فرق فنية متعددة القطاعات لتنسيق الدعم النفسي.
- تعزيز الدعم المجتمعي ومبادرات المساعدة الذاتية مع إشراك الفئات الأكثر هشاشة.
- تدريب العاملين في الخطوط الأمامية على تقديم الإسعاف النفسي الأولي.
- نشر رسائل توعوية تشجع على التكيف الإيجابي وطلب المساعدة.
- توفير الرعاية النفسية السريرية في المرافق الصحية العامة باستخدام بروتوكولات قائمة على الأدلة، مثل دليل mhGAP الإنساني.
- تقديم تدخلات نفسية مثبتة علمياً للأشخاص الذين يعانون من ضيق طويل الأمد.
- حماية حقوق الأشخاص ذوي الحالات النفسية الشديدة، بما في ذلك المقيمين في مؤسسات الرعاية.
- إنشاء شبكات إحالة فعالة بين المختصين والخدمات الصحية والاجتماعية والتعليمية.
في المحصلة، تؤكد المعطيات أن الصحة النفسية عنصر أساسي في التعافي الاجتماعي والاقتصادي بعد الطوارئ. فالأزمات لا تترك آثارها على الجغرافيا وحدها، بل تمتد إلى أعماق النفس الإنسانية، ما يجعل الاستثمار في خدمات الصحة النفسية ضرورة إنسانية وصحية ملحّة.