يمرّ الفهم الطبي للسرطان بعصره الذهبي، بفضل العلاجات المناعية والجينية المبتكرة وخلايا "كار-تي" (CAR-T) المهندسة مخبريًا، والتي رفعت نسب الشفاء من بعض الأورام، مثل سرطان الثدي، إلى 99% عند اكتشافه مبكرًا.
إلا أنّ هذه القفزات العلمية تأتي بثمن باهظ يهدد بإرهاق المنظومات الصحية، فيما لا تزال أورام شرسة، مثل سرطان البنكرياس والدماغ، تقاوم المليارات المستثمرة في الأبحاث والعلاجات الحديثة.
لكن الخطر الأكبر اليوم يتمثل في الارتفاع غير المسبوق في معدلات الإصابة بالسرطان والوفيات بين فئة الشباب مقارنة بجيل آبائهم. وفي حين لا يزال العلم عاجزًا عن تحديد سبب قاطع لهذه الظاهرة، يشرح اختصاصي الأورام آدم بارسوك مجموعة من العوامل المرتبطة بنمط الحياة الحديث.
وتسهم زيادة الوزن، التي تطال ثلثي البالغين في دول مثل الولايات المتحدة وبريطانيا، في تحفيز التهابات مزمنة تربك جهاز المناعة وتضعف قدرته على القضاء على الخلايا السرطانية في مراحلها الأولى.
أما الاستهلاك المفرط للأطعمة فائقة المعالجة والغنية بالمواد الحافظة، فيؤدي إلى اضطراب بيولوجي يُعرف بـ"الديسبيوزيس"، ويضرّ بـ"الميكروبيوم" المسؤول عن تنظيم المناعة وتقليل الالتهابات داخل الجسم.
ويظهر التفاوت الجغرافي بوضوح في معدلات سرطان المعدة؛ فرغم انتشار جرثومة المعدة عالميًا، ترتفع نسب الإصابة في دول شرق آسيا، مثل اليابان وكوريا، إلى أربعة أضعاف، نتيجة انتشار الأطعمة المدخنة والمملحة والمخللة التي تؤدي إلى تآكل بطانة المعدة، بينما تنخفض المعدلات في الهند بفضل النظام الغذائي النباتي.
ويؤكد د. بارسوك أنّ البيانات الطبية تشير إلى أنّ ما يقارب نصف وفيات السرطان، أي نحو أربعة ملايين حالة سنويًا، يمكن الوقاية منها. ويرى أن الحل لا يكمن في إجراءات معقدة، بل في استراتيجية تعتمد على تغييرات يومية بسيطة قادرة على إحداث تحول جذري في صحة الإنسان.
فالوقاية لا تعني الحرمان القاسي، بل تبني خيارات ذكية ومستدامة. ويمكن للفرد تقليص خطر الإصابة بالسرطان بنسبة تصل إلى 40% عبر خطوات بسيطة، مثل استبدال الكربوهيدرات المكررة بالحبوب الكاملة، والاعتماد على الأغذية الطازجة الغنية بالألياف والأسماك واللحوم قليلة الدهون لدعم صحة الأمعاء، بدلًا من الإفراط في المكملات الغذائية، إذ أظهرت الدراسات أن الجرعات العالية من الفيتامينات المصنعة قد تغذي الخلايا السرطانية بدلًا من مكافحتها.
كما أوضح الطبيب الفرق بين الأطعمة المخللة والمخمّرة في النظام الغذائي الآسيوي، مشيرًا إلى أنّ الخضراوات المخللة والنودلز قد ترفع خطر الإصابة بالسرطان بنسبة تصل إلى 50%، بسبب الكميات المرتفعة من الملح التي تؤدي إلى تآكل بطانة المعدة والتسبب بما يُعرف بـ"التهاب المعدة الضموري". في المقابل، تساهم الأطعمة المخمّرة، مثل "الكيمتشي"، في تعزيز صحة ميكروبيوم الأمعاء.
وشدد أيضًا على أهمية الحد من استهلاك الكحول والتدخين، والاستفادة من العلاجات الحديثة للسيطرة على السمنة المفرطة، ضمن إطار نظام غذائي متوازن وصحي.
وتبقى الفحوصات الدورية المنتظمة، مثل تصوير الثدي الشعاعي (الماموغرام) وتنظير القولون، خط الدفاع الأول لإنقاذ الأرواح. إلا أنّ معدلات الإقبال عليها تراجعت منذ جائحة كورونا، نتيجة ضعف التغطية التأمينية لدى البعض وتراجع الثقة بالمنظومة الطبية.
ويغذي هذا التشكيك تدفق المعلومات المضللة عبر الإنترنت والذكاء الاصطناعي، إلى جانب الترويج للمكملات الغذائية والحميات التجارية غير المستندة إلى أدلة علمية.
ويحذر د. بارسوك من أنّ مواجهة السرطان لم تعد معركة تُخاض داخل غرف العمليات والمختبرات فقط، بل أصبحت معركة وعي يومي تبدأ من نمط حياتنا وثقتنا بالمعلومات الطبية الموثوقة.
ويؤكد أن التصدي الذكي لهذا المرض يتطلب التوقف عن ملاحقة "السراب التجاري" والمكملات الوهمية، والعودة إلى الاعتماد على البيانات العلمية الرصينة، لأن الوقاية لم تعد خيارًا صحيًا فحسب، بل خط الدفاع الأول القادر على إنقاذ ملايين الأرواح قبل تحوّل المرض إلى مأساة صحية وإنسانية باهظة الثمن.
المصدر