LBCI
LBCI

متلازمة "الصديقة القوية"... من سندٍ للجميع إلى استنزاف عاطفي صامت

منوعات
2026-06-03 | 09:44
مشاهدات عالية
شارك
LBCI
شارك
LBCI
Whatsapp
facebook
Twitter
Messenger
telegram
telegram
print
متلازمة "الصديقة القوية"... من سندٍ للجميع إلى استنزاف عاطفي صامت
Whatsapp
facebook
Twitter
Messenger
telegram
telegram
print
5min
متلازمة "الصديقة القوية"... من سندٍ للجميع إلى استنزاف عاطفي صامت

خلف صورة المرأة القوية التي يلجأ إليها الجميع عند الشدائد، قد تختبئ قصة مختلفة تماماً من الإرهاق والوحدة والاستنزاف العاطفي. فبحسب خبراء علم النفس، لا يُعدّ ما يُعرف بـ"الصديقة القوية" مجرد سمة شخصية أو دور اجتماعي، بل نمطاً نفسياً وعلاقاتياً معقداً يتشكل غالباً منذ الطفولة ويستمر لسنوات طويلة.

ويُعرف هذا النمط في علم النفس العيادي بمصطلح "الحميمية العاطفية غير المتكافئة"، وهو نمط من العلاقات يقدّم فيه أحد الطرفين الدعم العاطفي والرعاية والاحتواء بشكل مستمر، بينما نادراً ما يتلقى القدر نفسه من الدعم في المقابل. وتبدو هذه العلاقات من الخارج وثيقة ومتينة، لكنها قد تترك الشخص المعطاء وحيداً ومستنزفاً من الداخل.

ويشرح الخبراء أن "الصديقة القوية" تكون غالباً الشخص الذي يتلقى المكالمات المتأخرة، ويستمع إلى مشاكل الآخرين، ويهدئ مخاوفهم، ويوفر لهم المساحة الآمنة للتعبير عن مشاعرهم، بينما تكاد احتياجاته الخاصة تكون غائبة عن العلاقة، والمشكلة أن كثيراً من أصحاب هذا النمط يتقنون إخفاء معاناتهم. فهم يبتسمون رغم الألم، ويجيبون دائماً بـ"أنا بخير"، حتى عندما يكونون في أسوأ حالاتهم النفسية.

وتصف المعالجة النفسية الأميركية آني رايت هذا الدور بأنه شكل من أشكال "هوية المزوّد العاطفي"، حيث يعتاد الفرد منذ سنواته الأولى أن يكون المسؤول عن الدعم والرعاية النفسية للآخرين. وقد تتشكل هذه الهوية نتيجة ظروف عائلية معينة، أو ما يعرف بـ"تبادل الأدوار" داخل الأسرة، عندما يتحمل الطفل مسؤوليات عاطفية تفوق عمره، أو نتيجة رسائل تربوية جعلته يربط قيمته الذاتية بقدرته على العطاء.

وتوضح رايت أن كثيراً من النساء اللواتي يؤدين هذا الدور أصبحن بارعات في مواساة الآخرين، لكنهن يشعرن بعدم الارتياح أو حتى الخوف عند طلب الدعم لأنفسهن، إذ يبدو لهن ذلك ضعفاً أو عبئاً على الآخرين.

وتعود جذور هذه الصعوبة، وفق نظرية التعلق التي أسسها الطبيب النفسي جون بولبي، إلى الطفولة المبكرة. فعندما يواجه الطفل الإهمال أو الانتقاد أو عدم الاستجابة لمشاعره، يتعلم تدريجياً أن يكبت احتياجاته ويتعامل مع ألمه بمفرده. ومع مرور الوقت، يتحول هذا السلوك إلى نمط عصبي ونفسي راسخ يقوم على فكرة: "أنا أتعامل مع مشاكلي وحدي".

ويشير الطبيب والباحث في الصدمات النفسية بيسيل فان دير كولك إلى أن الجهاز العصبي يعطي الأولوية المطلقة للشعور بالأمان. لذلك، إذا ارتبط التعبير عن الضعف أو الحاجة إلى الدعم بالخوف من الرفض أو الخذلان، فإن الإنسان يتعلم إخفاء هذه المشاعر وقمعها تلقائياً.

وتكشف الدراسات أن هذا النمط لا يمر من دون ثمن. فقد أظهرت أبحاث حديثة أن ارتفاع العبء الذهني والعاطفي يرتبط بشكل مباشر بزيادة معدلات الاحتراق النفسي. كما تبيّن أن النساء اللواتي يقمن بأدوار الرعاية أكثر عرضة للتوتر النفسي، وأن النساء اللواتي يعانين من إرهاق التعاطف يبذلن جهداً إضافياً لإخفاء مشاعرهن الحقيقية أمام الآخرين.

وأظهرت إحدى الدراسات أن النساء أكثر عرضة بنسبة 75 في المئة للشعور بأعباء نفسية شديدة عند تحمل مسؤوليات الرعاية والدعم لفترات طويلة.

ويؤكد المختصون أن إرهاق "الصديقة القوية" لا يظهر عادة على شكل انهيار مفاجئ أو نوبات بكاء حادة، بل يتسلل بهدوء على شكل تعب مزمن، وإرهاق عاطفي مستمر، وشعور داخلي بالوحدة رغم وجود علاقات كثيرة في الحياة.

وتكمن المفارقة في أن الشخص الذي يمنح الآخرين الشعور بالأمان والاحتواء قد يشعر هو نفسه بالعزلة. فالعلاقات التي تبدو وثيقة من الخارج قد تكون أحادية الجانب من الداخل، حيث يبقى عالمه الشخصي ومشاعره الحقيقية بعيدة عن متناول الآخرين.

ولا تقتصر آثار هذا الاستنزاف على الصحة النفسية فحسب، بل تمتد إلى الصحة الجسدية أيضاً. فالتعرض المزمن للضغط النفسي يرفع مستويات هرمونات التوتر في الجسم، ما يزيد خطر الإصابة بارتفاع ضغط الدم، واضطرابات المناعة، ومشكلات النوم، وغيرها من الأعراض المرتبطة بالإجهاد المزمن.

كما يمكن أن يؤدي التركيز المستمر على احتياجات الآخرين إلى فقدان الاتصال بالمشاعر والرغبات الشخصية، ما يرفع خطر الإصابة بالقلق والاكتئاب ويضعف الإحساس بالهوية الذاتية.

ورغم ذلك، يؤكد علماء النفس أن القوة الحقيقية لا تعني تجاهل الاحتياجات الشخصية أو مواجهة الحياة بمفردنا. بل إن القدرة على طلب الدعم والتعبير عن الضعف الإنساني تُعد جزءاً أساسياً من الصحة النفسية السليمة.

ويشدد الخبراء على أن التعافي من هذا النمط لا يتطلب التخلي عن القوة أو الاستقلالية، بل توسيع مفهوم القوة ليشمل القدرة على التلقي كما العطاء، وعلى مشاركة الأعباء كما مشاركة الدعم.

فالشخص الذي يحمل هموم الجميع ويمنحهم الأمان يستحق بدوره أن يجد من يصغي إليه، ويدعمه، ويمنحه المساحة الآمنة التي طالما وفرها للآخرين.
 

منوعات

"الصديقة

القوية"...

للجميع

استنزاف

عاطفي

LBCI التالي
عندما تشتد الأزمات... درّب عقلك على مواجهتها بهذه العبارات الثلاث
بعد أن خطفت الأنظار عالمياً... استقبال استثنائي لأدريانا دياب في مطار بيروت (فيديو)
LBCI السابق
إشترك لمشاهدة الفيديوهات عبر الانترنت
إشترك
حمل الآن تطبيق LBCI للهواتف المحمولة
للإطلاع على أخر الأخبار أحدث البرامج اليومية في لبنان والعالم
Google Play
App Store
We use
cookies
We use cookies to make
your experience on this
website better.
Accept
Learn More